Uncategorized

كتبت جومانا نصز في المسيرة عدد ١٦٩٦

حاكمونا على أحلامنا وأطعمونا الفئران والصراصير (1)

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد ١٦٩٦

علي أبو دهن: نار جهنم أرحم

حاكمونا على أحلامنا وأطعمونا الفئران والصراصير (1)

من جحيم الإعتقال إلى الحرية خرج رئيس «جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية» علي أبو دهن وهو الذي اعتبر يوما أن الموت يوازي الحرية نتيجة الظلم والعذاب الذي عاشه ومعتقلون لبنانيون في السجون السورية.

يوم تلقى خبر خروجه إلى الحرية في 15 كانون الأول عام 2000 كان يتمشى في رواق سجن صيدنايا. فجأة سمع إسمه. كانت المرة الأولى التي يسمع فيها أحدهم يناديه بإسمه منذ اعتقاله قبل 13 عامًا في 28 كانون الأول 1987 وقال له حرفيا: «علي أبو دهن إنهي علاقتك بالسجن». أول الأمر لم يستوعب كلام السجان فسأله مستغربًا لماذا؟ أجابه السجان «إطلاق سراح من سجن صيدنايا». أيضاً لم يصدق ما سمع. كان أكثر من توما. وإذا بالسجان يسحب ورقة من جيب سترته العسكرية ويبرزها أمام علي الذي قرأ إسمه للمرة الأولى منذ 13 عامًا ضمن لائحة بأسماء المعتقلين الذين سيتم إطلاق سراحهم. ويقول علي: «بس قريت إسمي جمدت بأرضي. ما عدت قدرت إمشي. حملوني الى داخل إحدى الزنزانات وهونيك عطيوني رفاقي المعتقلين اللي كانوا من الجنسية السورية تياب نظيفة و600 ليرة سورية وقالولي ما تتأمل كتير يمكن يكونوا بدن يردوك ع سجن تدمر. بس أنا ما كنت عم بحس بشي. كنت منفصل عن عالم الواقع. وبس دقت ساعة الحرية هجموا عليي وصاروا يبوسوني ويدعولي وطلبوا مني إنو إشتغل على قضية إخراجن من المعتقلات السورية. بلحظتا بكيت. إيه بكيت كتير لأنو كنا عايشين سوا لمدة 8 سنوات وحسيت إنو لحظة الفراق بتوجع….

جمعونا ببهو واسع بسجن صيدنايا وهون التقيت بمعتقل لبناني كنت مفكر إنو طلع من زمان ع الحرية. وصار كل واحد منا  يخبر حكايتو. ما بخفي عليكي إنو البعض كان متحفظ لأنو كان خايف ما تكون مجرد مكيدة لأخدنا إلى الإعدام!!!!! نمنا ليلة أخيرة بسجن صيدنايا وتاني يوم أخدونا ع التحقيق العسكري وودعونا بكم فلقة عدا عن التعذيب المعنوي والإهانات».

إطار الحرية لم يكن سهلا لكل معتقل عاش أقسى أنواع التعذيب النفسي والجسدي على أيدي جلادين. ويروي أبو دهن «حسيت حالي غريب. أول 15 يوم قضيتن بكي. كنت عم طلع كل الحزن اللي بداخلي.. صدقيني التغيير اللي عشتو بين ليلة وضحاها كان من أقسى أنواع العذاب النفسي وهاي حال كل المعتقلين المحررين من السجون السورية».

علي أبو دهن كان واحداً من الأسرى اللبنانيين الذين ساقتهم أجهزة الإستخبارات السورية الى السجون. أمضى ثلاثة عشر عاماً في ظلمة الزنزانة السورية، ومعظمها كان في سجن «تدمر»، الذي يشبّهه بـ «جهنّم»، وهو أصاب في هذا التشبيه، وقد تكون نار جهنم ألطف من وحشية هذا السجن، الذائع الصيت، بقسوته ولا إنسانية سجّانيه. ومَن يخرج من هذا السجن حياً فهو كمن يولد من جديد، ولكن من دون أن يتخلّص من آثار العذاب المنطبعة على جسده وفي الروح.

قبل أسره، كان علي أبو دهن يحلم بالحصول على فيزا للهجرة الى استراليا، مثله مثل مئات اللبنانيين الذين ما عادوا قادرين على العيش في وطنهم، لا سيما خلال فترة الوصاية السورية. لكنه عوض أن يحصل من السفارة الاسترالية في دمشق على فيزا للهجرة، منحته الاستخبارات السورية فيزا الى سجن تدمر، ملفقة له التهمة الشائعة والجاهزة وهي التعامل مع العدو الإسرائيلي. وقبل ان يصل الى تدمر عبر ما يشبه الجلجلة… من فرع السويداء حيث تم «القبض» عليه، الى فرع المسلخ فإلى فرع المنطقة ففرع فلسطين ثم فرع التحقيق العسكري فسجن تدمر. وقبل أن يُخلى سبيله بعد ثلاثة عشر عاماً، اقتيد الى سجن صيدنايا الذي يُهيّأ فيه السجناء للخروج. والبداية كانت بتغيير ملابسه. هو الذي لم يبدل ملابسه التي كان يرتديها منذ دخوله في 28 كانون الأول 1987 حتى العام 1990 بعدما رثّت وتمزّقت. وهل أقسى من شعور بالزمن بحيث يقضي السجين أكثر من ثلاثة أعوام وهو يراقب ثيابه التي تبلى شيئاً فشيئاً.

ثقافة التعذيب

الأجواء القاتمة التي يصفها علي ابو دهن و«الحكايات» السوداء التي يسردها والمآسي التي كابدها داخل السجن باتت معروفة: الكرسي الألماني الشديد القسوة، الدولاب الذي يجعل السجين أشبه بحيوان، التعذيب بالكهرباء، الجلد، التعليق، التأريق ليلاً، التخويف بالاغتصاب… أما الكرابيج فلها أسماء أو كنايات على غرار صباح، سميرة توفيق، فهد بلان… وكذلك الكرباج الأبطح والأعرج… وذلك تيمّنا بالأصوات التي تطلقها الحنجرة تحت الجلد… هذا عدا عن الشتائم البذيئة والدنيئة، ناهيك بالأوصاف الحقيرة: يا خنزير، يا كلب، يا حمار… ولم تسلم من الشتم المقذع الأمهات والزوجات والشقيقات، على عادة سجاني النظام السوري.

حتى الأسماء ألغيت، بحسب العادة أيضاً. وأصبح اسم علي هو الرقم 6 أولاً ثم 13 ثم 15… تتبدّل الأرقام لكنّ الشخص يبقى نفسه، رقماً مسحوقاً، لا وجود له ولا وجه، شخصاً كأنّه ليس إنساناً في عرف السجانين البعثيين. لعل هذا أقصى ما يمكن أن يبلغه تجريد الإنسان من إنسانيّته.

اما العقاب على الأحلام أو محاكمة السجناء بتهمة الحلم، فهو أقسى من العقاب على ما يرتكب السجناء من أفعال لا ترضي السجّانين… نعم حتى الحلم استطاعوا ان يصادروه من خيال المعتقلين تماما كما صادروا عمرهم وحياتهم…

 نتانة وجرب

يسرد علي أبو دهن حكايات وقصصاً من قلب السجن، تفوق التصور والخيال، حكايات أليمة وساخرة، سوداء وعبثية ومنها مثلاً: الحلاقة، قلع الأضراس، النوم رأساً وكعباً في مساحة 20 سنتمتراً للسجين الواحد، البرطيل، السرقة التي يمارسها السجانون… ومن حكاياته الطريفة والمؤلمة هي حكاية صينية الرز والدجاج التي تكرّم بها آمر السجن في عيد «البعث» هدية للسجناء. لكن السجّان الذي أحضرها، بال فيها قبل أن يُدخلها الى السجناء. وكان علي يتلصّص من ثقب في السجن عندما رآه يرتكب هذه الفعلة الشنيعة، لكنه لم يشأ أن يخبر رفاقه بها، لئلا يفسد عليهم التلذّذ بالقليل من الدجاج والرز.

في سجن تدمر حيث الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود لا يُستهجن قيام صداقة بين السجين والجرذ. هذا ما حصل مع علي الذي أبصر جرذا في زنزانته الافرادية، فراح يطعمه حتى أصبح صديقاً له. كان يقاسمه الطعام القليل أصلاً والرديء يوميا، ويداعبه، حتى صار «رفيقي الجديد ومؤنسي في وحدتي». وذات صباح أبصر السجان الحفرة في زاوية الجدار فعمد الى إغلاقها بالباطون، واختفى الفأر وماتت صداقة دامت أربعة أشهر…

حال «الحيونة» لم يعشها السجناء بأجسادهم وأرواحهم فحسب، من خلال معاملة السجانين لهم، بل كان العقاب يفرض في أحيان على بعضهم أن يبتلعوا جرذاً نافقاً أو عصفوراً أو صراصير… وكم أمضى السجناء أياماً يتسلّون في مراقبة النمل، حاسدين إياها على حريتها في التنقل. ولئن غابت الكتب والمجلات تماماً عن سجن تدمر، فإن المساجين ابتدعوا طريقة لقضاء الوقت والتسلية العابرة، فكانوا يتبادلون سرد الأفلام والمسلسلات التي كانوا شاهدوها، وكان مَن يسرد، يؤدي دور الحكواتي، فيقسّم الحكايات بغية إضفاء جوّ من التشويق عليها. أمّا علي أبو دهن فكان يعمد وحيداً الى استذكار قصص قرأها سابقاً ويستحضر مفردات مقلّباً صفحات «القاموس» في رأسه، ليصون ذاكرته من النسيان.

شاء علي أبو دهن، الذي خرج شبه مخلّع من سجن تدمر بعدما تلقى ما تلقى من أصناف التعذيب والضرب والجلد والركل إسوة برفاقه جميعاً، أن يكتب شهادة عن مأساة الأسر، شهادة صادقة وواقعية، حقيقية وجارحة في حقيقتها طبعها في كتابيه «عائد من جهنم» و»الخارجون من القبور السورية» اللذين انضما الى «سلسلة» أدب السجون السورية، فكانا خير شاهد على وحشية هذه السجون وعلى انتهاك النظام السوري إنسانية الإنسان وليس حقّه فحسب، في الحياة والحرية. ويتحسر على دولة لا تسأل عن معتقليها، وتراهن على وفاة أهالي المعتقلين لتُميت القضية.

«625 معتقلا لبنانيا ما زالوا في السجون السورية، واسماؤهم موثقة لدى السلطات اللبنانية التي قدمت الاسماء عبر لجنة لبنانية سورية تأسست عام 2000. وكانت ارسلت الاسماء الى سوريا عام 2004، واللجنة كانت مؤلفة من القاضي جوزف معماري، والقاضي جورج رزق. حيث كان يأخذ منا اسماء المعتقلين، ومن الراحل غازي عاد، ومن لقمان سليم، ومن آخرين.ويتابع أبو دهن «أسسنا الجمعية، وجمعنا كل الأسماء حيث وصل العدد الى 628 معتقلا في سجون سوريا، وسلمناها الى الرئيس سعد الحريري، واجتمعنا به، وسلمناه «الداتا» كلها، فقال لنا سأعمل عليها، وسأكون أمينا عليها، وأخذها معه الى سوريا. واجتمع مع رئاسة الوزارة هناك، ولكنهم أنكروا وجود معتقلين».

ويتابع: «كرئيس لجمعية المعتقلين في السجون السورية أقول إنه لا يزال ثمة أسرى ومعتقلون في هذه السجون كسجن صيدنايا وسجن عدرا وغيرهما من دون أية أثباتات. ولا يمكن التأكد من بقاء اي معتقل على قيد الحياة، ما لم تؤكد لنا الوثائق ذلك. والدليل على ذلك وصول جثامين شهداء معتقلين تباعا آخرهم الشهيد قيس منذر من ضهر الأحمر، وهو كان في الأمن العام، واعتقل عام 2006، وأعيد ميتا الى أهله عام 2016 وكان أطلق سراح يعقوب شمعون في العام 2012 وابلغ عن وجود معتقلين آخرين.

في 11 أيلول 2012 تقدم النائب السابق إيلي كيروز بسؤال إلى الحكومة بواسطة رئاسة مجلس النواب عن مسألة توسيع نطاق عمل خلية الأزمة الحكومية التي شكلها مجلس الوزراء بتاريخ 16 آب 2012 لحل مسألة المخطوفين اللبنانيين في سوريا لتشمل إيجاد حل عاجل ونهائي لهذه القضية. في  العام 2009 تقدّم النائب ابراهيم كنعان بمشروع معّجل مكّرر الى المجلس النيابي، بقي مجمّدا حتى العام 2013. وفي العام 2013 تحرّك الملف، وتم تحويله الى لجنة الإدارة والعدل، التي حوّلته الى لجنة المال والموازنة، وحتى اليوم لا تزال المشاريع في الأدراج في ظل استمرار إصرار النظام السوري على إنكار وجود أي معتقل لبناني في السجون السورية.

وينن؟ أحياء أم رفاتا هم حتما في السجون السورية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button