
نقلا عن كتابي. عائد من جهنم (صفحة رقم ٧١)
الزمان ٨ آذار سنة ١٩٩١ يوم عيد البعث السوري
المكان سجن تدمر العسكري،الباحة الثانية
مهجع رقم ٨
كأي يوم عطلة او عيد يكون النهار مباركا بحيث لا نخرج للتنفس،إلى المسلخ… حيث الضرب والجلد والتعذيب ،مثل كواع وركب،او التمرين السادس المميت أو غيرها من التعذيب الذي لا يهدأ….
جلست يومها متكئا على باب الزنزانة الصدئة،فسمح وجود بعض الثقوب بإختلاس النظر الى الخارج ،سمعت أصواتا تنبئ بحلول موعد الغداء . وبما انني عرفت مسبقاً أن الوجبات توضع إلى الباب ، دفعني الفضول إلى المراقبة، علّني أعرف ما يحضرون لنا في يوم العيد…وقد تعودنا أن تتضمن بعض اللحمة.
رأيت (البلدية )وهي تسمية نطلقها على المساجين العسكريين السوريين الفارين من الخدمة العسكرية . يحملون الطبق الذي علت وجهه بضع حبات من الصنوبر واللوز مع الأرز ، فيما حمل آخر وعاء من خمسة فراريج لمئة وخمسين معتقل!
قال أحدهم للآخر
هوذي المناي… العرصات بدن يأكلوا لحمة ورز ،وهم قتلة ومجرمين ما بحبوا الرئيس…لازم يأكلوا خر… مووووو هيك؟
– حرام خليهم يذوقوا اللحمة شي مرة.
-شوف شو بدن يأكلوا ! مد يده الوسخة وأكل فخذين من الدجاج …وبدأ يفك أزرار بنطاله المهترئ الممزق، وأخرج عضوه التناسلي وبال على الرز … شهقت… وخفت أن يكون سمعتي ! فسأل زميلي:
-شو باك؟
-…لزمت الصمت في الاول. ثم قلت :
– وضعو الطعام والأكل يبدو طيبا، رززز ودجاج وصنبور لوز،….(أتتني فكرة لكي أهرب من الغداء) قلت لزميلي ،ليك شو حظي عاطل ! كل الليلة الماضية استفرغ ،معدتي فارطة … ما راح فيي آكل؛ فورا قال زميلي:
– إتركها عليّ! بعطيك حصتي من البطاطة المسلوقة وبأخذ حصتك.
والله ثم والله، لم أقصد أن أطعمهم حصتي غير أنني لم أجرؤ إلى الآن على ذكر ما حدث أمام أحد …فأكتب لتقرأوا…
أدخلوا الطعام إلى الزنزانة، كل السجناء تجمعوا لرؤية الرز والدجاج، والتعليقات بدأت: ياي شو طيب الأكل ، كمان صنوبر… يا ريت فيّ آخذ صورة مع الجاط…. يلا بلشوا بالتوزيع بربكم بلشوا … إلا أنا فشعرت بالقرف وبالحزن والأسى لما يصيبنا من ذلّ وإحتقار على أيدي الأوباش الصعاليك …ليت الأسد يعرف كيف يعاملوننا !…
لم يلاحظ أحد الفارق بالأطعمة، إلا أحدهم قال فيها شي طعمة كاري ، وقد فقدنا جميعا إنسانيتنا و حواسنا البشرية …فكيف بالذوق؟
وتساءلت كم من مرة أكلت وتلذلذت وحسبت بولهم مرقة دجاج أو بهارًا صينياً جديدا أو …من دون أن ألاحظ الطعمة
الف لعنة عليهم وعلى مسؤوليهم ….
