قصة الإبرة والخيط

 قصة الخيط والإبرة مضى على وجودي في السجن الانفرادي أكثر من سبعة أشهر عندما بدأت ثيابي بـالاهتراء. ولشدة الضرب والتعذيب  تمزق سروالي. وصرت كلما خرجت لتلبية الواجبات اليومية أو لقضاء حاجتي، ركلني الحارس قائلاً:

– ولك قطب بنطلونك! ضقت ذرعاً، واستجمعت شجاعتي وسألته: كيف أصلح سروالي من دون المعدات اللازمة؟!

– لما ترجع على زنزانتك دق الباب وذكرني. عملت بنصيحته، وقرعت الباب:

– مين؟ – أنا 13 سيدنا.

– شو بك يا 13؟

– بدي إبرة وخيط. ناولني إياهما من الشراقة (1)، وهددني بالويلات لو أضعتهما. غرزت الإبرة في إصبعي الوسطى وضممت إبهامي والسبابة كي أتحسس ثقب الإبرة وبدأت المحاولة تلو الأخرى في إدخال الخيط من يدي اليمنى إلى الإبرة المغروسة باليسرى. المهم أنني قبلت التحدي الكبير، حبست أنفاسي لمدة ساعتين أو أكثر محاولاً إدخال الخيط في الإبرة رغم الظلمة القاتمة. مع كل محاولة كنت أقول: (1) طاقة حديد صغيرة في باب الغرفة، يدخل منها الطعام دونما حاجة إلى فتح الباب. يا رب، يا رب، ساعدني. لم أمل ولم أستسلم منادياً المولى عز وجل إلى أن استجاب ندائي المستمر وأهداني إلى ثقب الإبرة. شكرته وعلى عجلة من أمري قطبت سروالي. تنهدت، حمدت الله، فركعت أؤدي صلاة الشكر والحمد، ثم ضربت الباب.

– مين؟

– أنا 13 سيدنا.

– شو بك ولك 13؟

– قطبت البنطلون.

– ولك عندك ضو!

– لا يا سيدنا!

– المسا بتعرف شو بصير  فيك.

عند السادسة مساءً أخرجوني للحمام، وكان الحارس يتربص بي. عندما رأى سروالي مقطباً، أنزل في العقاب الكبير، هو عبارة عن (فلقة) في الدوالب، لأنه اتهمني بالاستعانة بنور داخل الزنزانة، فيما لم أرَ الشمس منذ أكثر من خمسة أشهر… وكان تفسير الحارس العبقري بأنني عميل من الدرجة الأولى متمرس في إسرائيل، ما جعلني أبصر في الظلام الحالك. كنت أول سجين في تاريخ فرع فلسطين يفلح في إدخال الخيط في ثقب الإبرة داخل السجن الانفرادي. لما عدت إلى زنزانتي بعد العقاب، استقبلني رفاقي الذين سمعوا الجدل من غرفهم بالتصفيق.

 

تفسير الدولاب

الـدولاب (1 الدوالب: تقنية تعذيب قوامها لي جسد الضحية وذلك بحشر الرأس والقسم السفلي من الجسد في دولاب سيارة، بحيث تصبح قدما المعذب في الهواء عند قلبه على ظهره فيسهل تعريضه لـ “الفلقة”. 39 والكرسي الألماني

 

Similar Posts

  • إبنة المخفي قسرا قزحيا شهوان

    «اطلعنا على الوثيقة لكن الأمل يبقى أقوى فينا. لا يمكن بسهولة أن نصدق أن والدي أعدم، وقبل تسلم جثته لن نعدّه متوفى». بهذه الكلمات تعبر ابنة اللبناني قزحيا شهوان، أحد المعتقلين المفقودين في السجون السورية، عن شعور العائلة بعد اطلاعها على مضمون وثيقة نشرتها «الشرق الأوسط» قبل يومين. تفيد الوثيقة المسربة من دوائر الأمن السوري…

  • اللجنة اللبنانية السورية

    اللجنة اللبنانية: الرئيس: جوزيف معماري عضو: جورج رزق عضو: العميد الركن في الجيش: غابي قاعي عضو: العميد الركن في قوى الأمن: سامي نبهان أمين السر:   عبد الحفيظ عيتاني   اللجنة السورية: الرئيس: ممثّل وزارة العدل ومدعي عام التمييز في سوريا: القاضي تيسير قلا عوّاد عضو: النائب العام العسكري في سوريا – العميد الركن: علي…

  • بداية لا تنسى

    كان النظام السوري المتعجرف الظالم، القبيح في جبروته، ينكر جهلًا وجود أي معتقل سياسي لبناني في سجونه، وكأن هؤلاء المعتقلين ليسوا بشرًا، بل أرقامًا لا أكثر. أما المسؤولون اللبنانيون الخانعون، التابعون له، فكانوا يطابقون على نكران وجود معتقلين، برغم علمهم المسبق بخطف جنود لبنانيين من بعبدا واليرزة، وبرغم معاناتنا التي كانت تتضاعف في الظلام الدامس،…

  • التعذيب بالكهرباء

    لم أدر كَمْ مر عليَّ من الوقت ولكن رغم ألمي غفوت. فُتح الباب وقال الشرطي: – 6 يَلاّ إِيدَك خلف ظهرك. كَبَّلني ووضع عِصَابَة على عيني واقتادني إلى المكان نفسه الذي تركته محمولاً، منذ ساعات قليلة، عاد الصوت نفسه صائحاً: – شو رَحْ تحكي؟ – أجبت بالنفي. – أجاب بالعذاب والضرب. عَذَّبُوني بالكرسي في اليوم…

  • نقلا عن كتابي. عائد من جهنم  (صفحة رقم ٧١)

    نقلا عن كتابي. عائد من جهنم  (صفحة رقم ٧١) الزمان ٨ آذار  سنة ١٩٩١ يوم عيد البعث السوري المكان سجن تدمر العسكري،الباحة الثانية  مهجع رقم ٨ كأي يوم عطلة او عيد يكون النهار مباركا  بحيث لا نخرج للتنفس،إلى المسلخ… حيث الضرب والجلد والتعذيب ،مثل كواع وركب،او التمرين السادس المميت أو غيرها من التعذيب الذي لا…

  • السجين رقم ١٣

    السجين رقم 13 يعتقد المعتقلون السابقون في السجون السورية أن لبنان أمام فرصة لجلاء مصير المئات من المختطفين والمخفيين قسراً خلال الحرب الأهلية اللبنانية مع التطورات المتسارعة في سوريا. ويؤكد الناشط اللبناني في ملف المفقودين علي أبو الدهن وجوب التحرك السريع، مشككاً في قوائم الأسماء الصادرة عن الجانب السوري، لأنهم يتعاملون مع المعتقلين بالأرقام لا…